ما أن لاحظ الأب الحرارة المفاجئة التي أصابت ابنه حتى سارع للاتصال بالطبيب للاستعلام إن كان موجوداً أم لا، لكن المفاجأة كانت في طبيعة الرد الذي تلقاه من الموظفة التي سارعت بالسؤال إن كان المريض على التأمين أم لا، فإن كان على التأمين فالطبيب غير موجود، أم إن كان المريض سيدفع كاش فيمكن أن يتم الاتصال بالطبيب ويحضر فوراً...!!!
هي واقعة لطالما تكررت في عدد من العيادات والمشافي الخاصة والصيدليات وغيرها من مراكز تقديم الخدمات الطبية والصحية (مخابر، تصوير شعاعي..)، وهي تشير بوضوح إلى حالة الخلل في آلية تقديم خدمات التأمين الصحي للمؤمن لهم ومحاولات التحايل والتهرب من حاملي بطاقة التأمين الصحي من قبل بعض مقدمي الخدمات الطبية والصحية، ولهذا الأمر أسبابه بالتأكيد وهي ترتبط بأطراف أخرى من الأطراف المشاركة في إنجاز خدمة التأمين الصحي..
وكثيرة هي القصص والأحداث التي رافقت تطبيق خدمة (التأمين الصحي) منذ انطلاقتها قبل عدة أعوام، وساهمت ظروف الحرب العدوانية على سورية بمزيد من الملاحظات والانتقادات والشكاوى التي صدرت عن المؤمن لهم (المستفيدين من الخدمة) وهم شريحة موظفي القطاع العام الذين قدر عددهم بحوالي 700 ألف موظف تم تشميلهم بخدمة التأمين الصحي.
عموماً وقبل أن نتحدث عن التأمين الصحي قد يكون من المفيد والضروري التطرق إلى واقع القطاع الصحي الذي نال نصيبه من تداعيات الحرب العدوانية على سورية، والتي أولها النقص الواضح في عدد الكوادر الطبية من أطباء وصيادلة وممرضين ومخبريين ومختلف المهن الطبية التي يحتاجها المريض للحصول على خدمة علاجية أو صحية، يضاف إلى ذلك التدمير الممنهج للمشافي والمستوصفات والعيادات والمخابر العامة والخاصة في المدن والمناطق التي استهدفها الإرهاب، كل هذا وغيره أثر على مستوى ونوعية الخدمة الصحية وسرعة وسهولة تلقيها والحصول عليها بالنظر زيادة الضغط على المشافي والعيادات التي بقيت بالخدمة والتي لم تطلها يد الإرهاب.
وبالضرورة هذا الواقع أثر على خدمة التأمين الصحي وأحدث خللاً واضحاً، خاصة في المناطق التي اضطر سكانها إلى الهروب من الإرهاب وتهجروا إلى مناطق أكثر أماناً..
لكن ما يجب أن يشار إليه هنا بعيداً عن الظروف الموضوعية التي زادت من متاعب التأمين الصحي هو ذلك الخلل البنيوي الذي شهدته آلية تقديم هذه الخدمة على مدى السنوات التي سبقت فترة الحرب على سورية، والشكاوى المتراكمة التي ظهرت على السطح والتي تبدأ من نوعية الخدمة المقدمة للمؤمن عليه، هذا إلى جانب الكثير من الأخطاء المتعلقة بإدارة خدمة التأمين الصحي وما يتضمنه ذلك من أمور مالية وإدارية وتحديد مسؤوليات وغير ذلك..
ومرة أخرى وبعد أن استفحلت أزمة التأمين الصحي جددت الحكومة اهتمامها بهذا الجانب وأعلنت الأسبوع الماضي أنها عازمة على تصحيح الخلل القائم في آلية تقديم الخدمة وكل ما يتعلق بتجربة التأمين الصحي، وذلك خلال الاجتماع الموسع الذي عقده رئيس الحكومة مع الجهات المعنية وجرى خلالها مناقشة واقع هذه الخدمة وظروف عملها والمشكلات والصعوبات ومواضع الخلل فيها..
وكما قلنا ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها فتح ملف التأمين الصحي على مصراعيه وإعلان حالة عدم الرضا من قبل رئيس الحكومة شخصياً عن الأداء في هذا القطاع وضرورة تصويب الخلل وإيصال الخدمة إلى المؤمن لهم بأفضل شكل..
وهذا يعني أنها ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها توصيف واقع هذا القطاع وتحديد مواضع الخلل فيه، واقتراح الحلول المناسبة له، لكن لم يتغير شيء في هذا الملف منذ عدة أعوام رغم كثرة الاجتماعات والمقترحات والتوضيحات والانتقادات وغير ذلك..
واللافت في الموضوع أن أول خلل في هذا الجانب والذي تمت الإشارة إليه في غير مرة هو عدم وجود قانون للتأمين الصحي ينظم العمل ويحدد العلاقة بين الأطراف المشاركة في إنتاج هذه الخدمة، ما أدى إلى ظهور حالات من الخلل تحتاج إلى تصحيح، وكان من الضروري في حينها أن يتم إنجاز مشروع قانون يحدد المسؤوليات والصلاحيات وطبيعة العلاقة مع أطراف العملية التأمينية، ويحدد حقوق وواجبات كل طرف بمن فيهم المؤمن له (المستفيد من الخدمة).
ونشير هنا إلى وجود دراسات ومقترحات تقدم بها بعض المختصين في مجال التأمين حددت مواضع الخلل وقدمت مقترحات الحل وفق ما يجب أن يكون، كما أن المؤسسة العامة السورية للتأمين كانت قد قدمت في نيسان الماضي تصورها النهائي ورؤيتها حول إعادة هيكلة بوليصة التأمين الصحي وإعادة هيكلة البدلات والأتعاب الإدارية لشركات النفقات الطبية، وغير ذلك مما يتعلق بالتعرفة التأمينية بما يضمن اختصار حجم الشكاوى والمشكلات التي يتعرض لها المؤمن له خلال محاولته الحصول على الخدمة عبر بطاقة التأمين الصحي.
والمؤكد أن حجم الخلل الحاصل في هذا القطاع كبير وهذا ما اعترفت به بعض الأطراف التي حضرت اجتماع رئيس الحكومة الأسبوع الماضي حيث تمت الإشارة إلى تعقيد هذا الملف وأن مختلف الجهات ذات العلاقة تتحمل مسؤولية ذلك بما فيها وزارة الصحة ومؤسسة التأمين وشركات إدارة النفقات الطبية وبالتالي مقدمي الخدمات الطبية والصحية..
ولعل المفاجئ هنا ما ذهب إليه وزير المالية من تحميله المواطن (المؤمن له) مسؤولية جانب من هذا الخلل عندما تحدث عن (تواطؤ الموظف ومعالجة أفراد أسرته على بطاقته).. وهنا قد نسأل الوزير هل يستطيع الموظف (المؤمن له) أن ينجز هذا العمل بمفرده لولا تعاون بعض مقدمي الخدمات الطبية وتواطؤهم، والسؤال الأهم الذي يجب أن يُسأل في هذا السياق هو لماذا يلجأ المواطن إلى مثل هذا السلوك، وهل استطاعت الحكومة أن توفر ظروف أفضل للموظف لكي يتمكن من شراء الخدمات الصحية والطبية لأفراد أسرته بالشكل المطلوب، بمعنى هل دخله الشهري قادر على تغطية الإنفاق على الجانب الصحي له ولأسرته..؟؟
المهم في هذا الأمر أن تثمر هذه الجهود التي تتحدث عنها الحكومة والتي تسعى من خلالها إلى تقديم منتج تأميني لائق للمواطن الذي بات دخله (مخجل) وغير مكافئ للأسعار التي فاقت مستوياتها قدرة أي موظف أو صاحب دخل محدود دون أن يكون هناك أي إجراء يخفف من غليانها ولسعاتها التي أنهكت الشريحة الأوسع من المواطنين..!!
وفي هذا لا بد من التوضيح إلى أن التأمين الصحي هو شكل من أشكال الدعم الذي نص عليه الدستور للمواطن السوري وهو بالتالي حق للمواطن، ويجب على الحكومات والجهات التنفيذية العمل على إيصاله بالشكل المطلوب وبما يحقق الغاية منه وهو التخفيف من الأعباء المادية عن المواطنين خلال تلقيهم للخدمات الصحية، بما يضمن تحقيق مبادئ الدستور التي نصت على أن الدولة تكفل كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة، وفي مادة أخرى نص الدستور على أن الدولة تحمي صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداوي، وجاء في المادة 25 من الدستور: التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أركان أساسية لبناء المجتمع، وتعمل الدولة على تحقيق التنمية المتوازنة بين جميع مناطق الجمهورية العربية السورية، كما نصت المادة 40 على: تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعمال.
وعليه فإن سعي الحكومة هنا يأتي في سياق الواجب لتحقيق مبادئ الدستور، ومن الضروري أن تعمل على إنجاز هذا الملف بالشكل الذي لا يدع مجالاً لمزيد من المتاعب والمشكلات والصعوبات التي كانت تواجه الكثير من المؤمن لهم والمستفيدين من هذه الخدمة، والعمل على تنظيم آليات عمل تحدد المسؤوليات بين الجهات المسؤولة عن إنتاج هذه الخدمة، ووقف كل أشكال الفساد التي شهدتها السنوات الماضية..
وإن ما ننتظره من هذه الجهود أن يتم تطبيق الوعود التي تقول بحصول المواطن على تأمين صحي مدعوم من الدولة مقابل مبلغ زهيد يدفعه الموظف بما لا يتجاوز 250 ليرة شهرياً، وإن كانت الحكومة جادة فعلاً في الالتزام بوعودها فهناك الكثير من الطرق التي يمكن أن تسلكها في ذلك منها أن تبحث عن الأشخاص الأكثر نزاهة وكفاءة ومهنية في هذا المجال، وليس بالضرورة أن يكونوا من فئة المديرين أو المسؤولين لأنه غالباً ما نجد الفنيين والعاملين في قطاع ما هم أكثر خبرة عملية في المجال من بعض المديرين..
المهم في هذا الإخلاص للمشروع وإنجازه بناء على هدف أساسي هو إيصال هذه الخدمة للمواطن بأفضل حالاتها بحيث يمكنه أن يشعر بأنه فعلاً يحصل على دعم صحي حقيقي كما نص عليه الدستور..
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
محمود ديبو