شكلت ظروف الحرب العدوانية على سورية منذ ما ينوف على ستة أعوام عائقاً كبيراً في وجه الصناعة السورية عموماً، بالتزامن مع الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضته دول العدوان نفسها، لكي تزيد من حجم الضغط والتنكيل بسورية على جميع الصعد وبمختلف الاتجاهات ومناحي الحياة..
وبدا التركيز من قبل أدوات العدوان وعصابات الإرهاب المنظم التي سيقت من كل دول العالم، لإنجاز تدمير ممنهج ومدروس لكل البنى والصروح والمنشآت الصناعية والإنتاجية التي بناها السوريون على مدى عقود طويلة.
ورغم حالة الدمار والخراب التي آلت إليها معظم الشركات والمعامل والضرر الكبير الذي أصاب مبانيها وقسم من الآلات، فقد عادت بعض الشركات بمجرد تحسن الأوضاع الأمنية في المناطق التي تقع فيها وبدأت بإحياء بعض الأقسام والآلات وعادت للإنتاج بنسبة قد لا تكون ملحوظة إلا أن الرهان كان على عدم تعطيل كامل الشركة وتوقفها عن العمل.
ومن بين تلك الصروح والمنشآت، واجهت الشركة العامة الخماسية (الشركة التجارية الصناعية المتحدة)، تحديات جسيمة جراء هذا العدوان من قبل عصابات الإرهاب، وتلقت ضربات موجعة كان من شأنها أن توقف أجزاء كبيرة من خطوط الإنتاج والعمل التي كانت تتميز بها الشركة، قبل سنوات الحرب على سورية، إلا أن كل ما تعرضت له الشركة لم يثن العمال من الصمود والاستمرار على متابعة العمل والإنتاج، وقدمت الشركة الشهداء من عمالها الذين واجهوا الإرهاب بقوة وإرادة وعزيمة أذهلت الأعداء.
تروي مصادر الشركة أن العمال أظهروا ملاحم بطولية تحدوا فيها كل الخطوب التي تعرضت لها الشركة، إلا أنه وفي 25 شباط من العام 2013، اضطر العمال والقائمون على الشركة للخروج من المعامل ومن خلف خطوط الإنتاج تحت القصف المركز والعنيف الذي تعرضت له الشركة من قبل عصابات الإرهاب المسلحة التي كانت متمركزة في المنطقة بالقرب من الشركة الواقع في منطقة العباسيين بدمشق على تخوم جوبر، ولولا اشتداد الخطر لكان العمال استمروا بالعمل غير آبهين بقذائف الحقد والتدمير التي استمرت تنهال على الشركة، حيث كان يسقط عشرات القذائف يومياً، ما كان له الأثر المباشر في تدمير كبير للمعامل وخطوط إنتاج الشركة وإحداث أضرار كبيرة تقدر بالمليارات، وفي حينها لم يكن بالإمكان الاستمرار أكثر من ذلك بسبب ارتفاع عامل الخطورة وسقوط عدد من عمال الشركة شهداء بسبب المواجهات مع العصابات المسلحة.
وبقيت مخازين الشركة في مستودعات آمنة استطاع العمال إخراجها وهي عبارة عن كميات كبيرة من النسيج المتنوع وغيره من منتجات الشركة تقدر بالمليارات، وهذه تم البدء بنقلها مطلع عام 2014 إلى مستودعات آمنة تم حفظها فيها..
لكن الكميات المنقول كانت قليلة جداً بسبب عدم وجود طرق آمنة لدخول السيارات وخروجها حيث تعرض في حينها عدد من العمال إلى الاستهداف بنيران القنص واستشهد بعضهم وأصيب البعض الآخر، وكان الدخول إلى المعمل محفوف بالكثير من المخاطر ومع ذلك وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية المتواجدة في المنطقة تم تأمين طريق للدخول والخروج، وبدأت عملية إعادة تأهيل معمل القطن الطبي، رغم استمرار سقوط القذائف وتعرض مباني ومنشآت المعمل إلى الانهيار في جزء منها جراء ذلك ونشوب أكثر من حريق.
وجرى التنسيق مع الجهات المختصة الأمنية والعسكرية لتأمين دخول وخروج العمال والسيارات الناقلة للإنتاج من وإلى أرض المعمل، وكذلك العمل على البدء بتشغيل الأقسام المهمة بالمعمل والتي يمكن تشغيلها وهي معمل القطن الطبي والشاش لتأمين حاجة المشافي العامة والخاصة من هذه المواد.
وأوضحت مصادر الشركة أن الآلات تضررت من ناحيتين الأولى أنها جميعها الكترونية وتوقفها لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر يؤدي إلى فقدان البرامج الخاصة بها، الأمر الذي يتطلب استبدالها كلياً ببرامج جديدة من الشركة الصانعة تحديداً وبتكاليف عالية جداً وهذا غير متاح حالياً.
ومن الناحية الثانية فقد أصاب الضرر كافة الشبكات الكهربائية ومواسير المياه والبخار الأمر الذي منع تشغيل تلك الآلات، ورغم كل الظروف القاهرة التي واجهت عمليات إعادة تأهيل بعض أقسام الشركة وخطوط إنتاجها، فقد عاد معمل القطن الطبي للإنتاج في 15 آذار من العام 2014 وإن كان بكميات قليلة بسبب الظروف الصعبة وبسبب انقطاع التيار الكهربائي وعدم مقدرة تشغيل البخار.
وبحلول الشهر الخامس من العام 2015 تم الانتهاء من نقل وترحيل كامل المواد الأولية والأقمشة وقطع التبديل وغيرها من مستودعات الشركة إلى مناطق آمنة، واستمر العمل بالشركة وثابر العمال على عملهم رغم كل الظروف، الأمر الذي أتاح الفرصة لزيادة الكميات المنتجة من القطن الطبي حيث وصلت بنهاية العام 2016 إلى 80 طنا، كما جرى تأهيل 35 نولا بصالة النسيج وهي مخصصة لإنتاج الأقمشة القطنية، وإنتاج الشاش الطبي، وكذلك تأهيل 3 مكنات زوي قادرة على زوي الغزول المفردة وتقديمها كمادة أولية للشركات الأخرى لتصنيعها.
واستطاعت الشركة إعادة تصنيع الأقمشة المخربة وبيعها في السوق المحلية وللجهات العامة ووصلت قيمة المبيعات إلى مليار و100 مليون ليرة سورية.
اللافت في الأمر أن الشركة استطاعت أن تنجز كل هذا العمل دون أن تتلقى أي اعتمادات مادية إضافية من وزارة المالية، وتم تأمين رواتب العمال من الموارد التي تحققها الشركة من عمليات إنتاج القطن الطبي وبيعه وكذلك بيع الأقمشة وموجودات المستودعات، كما تم تأمين نفقات الإصلاح وإعادة التأهيل وصيانة الآلات وغير ذلك من عملها حيث تصل كتلة الرواتب شهرياً إلى 30 مليون ليرة، وفي هذا جهدت الشركة على الاستمرار في العمل والإنتاج، واستطاع العمال مواجهة كل التحديات لضمان استمرار تشغيل الآلات التي لم يطالها التخريب، والاستمرار في الإنتاج لتأمين حالة الاكتفاء الذاتي وتأمين موارد مالية لتغطية نفقاتها من وراتب وأجور وإصلاح وصيانة ونقل وغيرها..
وتخطط الشركة لرفع حجم إنتاجها من القطن الطبي إلى 200 طن بنهاية العام الحالي، وهذا ما سيتم العمل عليه فيما تبقى من أشهر من هذا العام.
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
محمود ديبو