الاتحاد العام لنقابات العمال
الاتحاد العام لنقابات العمال

الأخبار » من العالم

الصفحة السابقة »

مارشال أمريكي في الرقة.. الأهداف المفضوحة

2017-11-07 12:30:31

بين الرقة السورية ودريسدن الألمانية، ويلات دمار تشابهت فيها الصور المؤلمة، على أنقاض ما خلفته آلة الحرب الأمريكية، يبني الاقتصاديون والسياسيون مشاريعهم، وما بين الرقة ودريسدن، مارشال يكرر ذاته ولو في حقب زمنية وأماكن مختلفة، "خطة مارشال في سورية" ليست بحديث جديد، لكن ما جرى ويجري في الرقة أكدت المؤكد، فكيف بدأت وكيف ستنتهي؟.  
تعرضت مدينة الرقة السورية لنكبتين، الأولى بسيطرة إرهابيي داعش على المدنية، وبحماية أمريكية، والثانية بقيام ما يسمى "التحالف الدولي" بزعامة واشنطن بإكمال ما بدأه "داعش" والقضاء على ما تبقى من حجر وبشر في مدينة تم تدميرها بالكامل، واستبدال إرهابيي داعش، بميليشيات ما يسمونها "قوات سورية الديمقراطية"، فمن بوابة الرقة السورية يبحث تحالف واشنطن اللاشرعي بداية عن إنجاز وهمي في الحرب على الإرهاب، ثم الدخول في استثمار اقتصادي سياسي كخطوة تالية، يتبعها الخطوة الاستراتيجية الأكبر بهدف مكسب جيوبوليتكي في المنطقة، إلا أن للواقع حكايته، وللتاريخ دروسه.
الهدف الأمريكي الأول المتمثل بالإنجاز الوهمي في الحرب على الإرهاب، سقط، فالصور القادمة من مدينة الرقة خلال الأيام الماضية، دليل قطعي على وحشية ما تعرضت له المدنية المنكوبة، إذ لا تستطيع الكاميرات التمييز بين ما دمره إرهابيو داعش على مدى سنوات، وبين ما أتت عليه طائرات تحالف واشنطن على مدى نحو ثلاث سنوات وشهرين من قصف متعمد وعشوائي خلف آلاف الضحايا، ودمر 150 منشأة حيوية ومرفقاً خدمياً، كما زادت كثافته خلال نحو خمسة أشهر مؤخراً؛ انتهت بتدمير المدينة، وخروج الدواعش منها تحت العين الأمريكية، ودخول ما يسمى "قوات سورية الديمقراطية" المدعومة أمريكياً إليها، حيث خرج متزعمو "داعش" وعائلاتهم من الرقة بأمان مشبوه تحت القصف الأمريكي دون أن يطولهم أذى ذلك القصف، ولم تعلن أي وسيلة إعلامية تابعة للتنظيم الإرهابي أو للتحالف الأمريكي، عن مقتل أي من متزعمي التنظيم في مدينة كانت إلى الأمس المقر الرئيسي لهم، وهذا وفق تأكيدات جميع أجهزة استخبارات الشرق والغرب، في وقت اختلفت أرقام ضحايا قصف تحالف واشنطن لمدينة الرقة بين إحصائية وأخرى؛ إلا أن جميعها تؤكد أنهم مدنيون بالآلاف، غالبيتهم من النساء والأطفال، ناهيك عن المئات تحت الأنقاض، ما أسقط إنجازهم الوهمي في الحرب على الإرهاب، وأكد أن الإرهاب بيدق أمريكي غربي يحركونه على رقعة المنطقة وفقاً لكل مرحلة.
في إطار الهدف التالي، كانت خطوة إعلان الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا-الذين خططوا وقادوا العدوان على سورية وجندوا إرهابيي العالم في عدوانهم بمشاركة بني سعود- أعلنوا عن تمويل ما سموه "إعمار المدنية"، في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول الزمان والمكان والأهداف المخفية تحت العباءة الإرهابية التدميرية، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قالها صراحة: "سننتقل قريباً إلى تنفيذ مرحلة جديدة في سورية"، وانبرى نظام بني سعود بعد ما قدمه من دعم مادي ولوجستي لبؤر الإرهاب، لينثر بذور شر جديدة في الرقة، إذ أكد موقع "مون أوف ألاباما" الأمريكي أن ذهاب ثامر السبهان برفقة المبعوث الأمريكي بريت ماكغورك إلى الرقة بذريعة إعادة الإعمار، هو استفزاز خطر، ولاسيما أن إدارة ترامب ليست مستعدة لإنفاق المال على إعادة الرقة التي دمرت إلى درجة كبيرة بفعل آلاف الضربات الجوية الأمريكية، ما يعني أن التحالف أراد تدمير الرقة لا تحريرها، ويبحث عن استثمار بأموال سعودية، عبر مشروع مارشال جديد، مشروع كانت مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية قد عنونته بمقال عام 2014، وجاء حرفياً، "خطة مارشال السورية"، وتاريخه بعد أقل من شهرين على سيطرة داعش على مدينة الرقة بالكامل حينها، وقال المقال في وقته: " البنك الدولي قدر كلفة إعادة إعمار ما هدم في سورية حتى تاريخ المقال بنحو 200 مليار دولار، داعش تحرم الدولة السورية من حوالي مليوني دولار يومياً بسبب سيطرتها على أغلبية المناطق النفطية والزراعية، الاقتصاد السوري في الحضيض وحلفاء سورية يرون في إعادة بنائه هدفاً سياسياً سيستغلونه للإبقاء على نفوذهم في البلد، حتى لو لم يكن مريحاً في بداية الأمر"، والمقال ذاك استوحى من الخطة التي وضعت لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بقروض أمريكية، والتي عرفت بخطة مارشال، ليرسم خطة مشابهة لسورية، وهنا لا بد من التنويه كيف أسرعت طائرات واشنطن بتدمير الرقة فوراً، بعد إنجازات الجيش السوري وحلفائه الكبيرة في دير الزور، الخزان النفطي والزراعي للاقتصاد السوري.
وفي الهدف الثالث الجيوبوليتكي، كان واضحاً في حديث ترامب ذاته: أن "المرحلة الجديدة ستشمل دعم القوات المحلية"، وهو ما يشبه سياسة سلفه بدعم ما سمي حينها معارضة معتدلة في شرقي حلب، والتي سقطت رهانات واشنطن عليها بتحقيق مخططات التقسيم، كما ستسقط رهاناتهم على ما يسميها ترامب اليوم "قوات محلية"، ولا بد من التذكير أيضاً أن أول وأضخم هجوم تعرضت له الرقة كان مطلع آذار عام 2013، قامت به حينها ما يسمونها "معارضة" بقيادة "جبهة النصرة" الإرهابية واستولوا على مناطق كبيرة في المدينة، وبعد مرور عام ونيف استبدلت واشنطن معارضتها ونصرتها في الرقة بإرهابيي "داعش"، ليكون اليوم دور "داعش" قد انتهى فيها، وبدأت مرحلة جديدة بيد "قوات ترامب المحلية"، المتمثلة "بقوات سورية الديمقراطية"، وهنا نصل إلى الحالة الجيوسياسية التي تريد واشنطن العمل عليها بعد سقوط مخطط تقسيم العراق عبر استفتاء البرزاني الانفصالي شمال العراق، والخطوات القوية التي قامت بها الحكومة العراقية بدعم دول جوار العرق لإحباط مخططات التقسيم.
محاولة أمريكية جديدة في شمال سورية، حيث تبذر واشنطن شرها تمريراً لمخططات تقسيم صهيونية تحلم بتحقيقها في المنطقة بناء على إثنيات وقوميات، خدمة للإسرائيلي، لكن التربة السورية لا تصلح لبذار الشر الأمريكي، لأن الواقع والوقائع والتاريخ والمستقبل سوريّ، تكتبه يد سورية، على أرض سورية، في تربة مروية بدماء الشهداء الزكية.

المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
بقلم: شادية اسبر


مشاركة :
طباعة

أُترك تعليقك