من يراقب الحراك الدولي منذ فترة, يرى أن تبدلاً واضحاً قد طرأ على مواقف بعض الدول الأوروبية بعد الصمود البطولي الذي أبداه الشعب السوري وجيشه الوطني في مواجهتهم للغزو الإرهابي, والتقدم الكبير الذي يحرزه الجيش العربي السوري في الميدان, خاصة بعد تحرير مدينة دير الزور بالكامل, وعبور نهر الفرات لملاحقة الإرهابيين على الضفة الأخرى.. هذا الإنجاز الذي يمثل بداية نهاية الغزو الإرهابي لبلادنا.
لقد ادعى البعض في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أن الحرب على داعش باتت الأولوية بالنسبة لهم, لكن المعيار العملي الوحيد لإثبات صدق هذا الادعاء هو مغادرة التحالف الأمريكي الذي يواصل استهداف المدنيين والبنى التحتية لحساب داعش تحت ذريعة محاربة داعش.
إن مشهد التواطؤ الأمريكي مع داعش, وهو يشمل كل شركاء التحالف الأمريكي, لم يعد بوسع أحد حجبه عن الناس. ومحاولة حجبه هي بمثابة محاولة حجب نور الشمس بالغربال. فمن كان ضد داعش حقاً فليغادر التحالف الأمريكي فوراً, وعندئذ فقط قد يصدّق الناس أنه يريد محاربة داعش بالفعل.
لقد خبر الشعب السوري جيداً أقوال البعض, وأفعالهم, ففي الوقت الذي يؤكدون فيه مكافحة الإرهاب في سورية, تتولى دولهم دعم الإرهابيين, وتعرقل عمليات القضاء عليهم, بل تقوم بتهريب قادتهم إلى مناطق أكثر أمناً, بعد ضربات الجيش العربي السوري لأوكارهم, واكتساح المواقع التي كانوا يسيطرون عليها.. وهذا ما تفعله, مثلاً, الولايات المتحدة اليوم. إنها تفعل المستحيل لحماية الإرهابيين ومنع تقدم الجيش العربي السوري في دير الزور.
ما يفعله التحالف الأمريكي, ويصر على متابعة, هو ارتكاب الجرائم بحق السوريين, وهو دليل قاطع على تبعية داعش لهذا التحالف, واعتماد هذا التحالف داعش ومثيلاتها من الجماعات الإرهابية التكفيرية لتنفيذ مخططه العدواني.
والحقيقة التي بات الناس يعرفها في كل مكان من العالم هي أن التحالف الأمريكي الذي ادّعى أن غايته محاربة داعش لم يحارب داعش, ولم يستطع أن يقول للناس أين ومتى دحر داعش, وعدد المواقع الذي دمرها لهذا التنظيم الإرهابي. وإذا كان قد تحدث أحياناً عن عمليات خاصة استهدف بها عدداً قليلاً من القياديين في داعش, فإن هذه العمليات الاستخباراتية المدروسة كانت غايتها التخلص ممّن يتمرد عليه من الدواعش لحساب عملائه الآخرين المتحكمين في داعش. فهي إذن لم تكن حرباً على الإرهاب وإنما هي حرب غايتها ضمان استمرار تحكمه بالإرهاب كأداة يستثمرها في الحرب لتحقيق غاياته العدوانية.
إن اتهام واشنطن بدعم تنظيم داعش الإرهابي وتنظيمات الإرهاب الأخرى في سورية لم يعد يثير الاستغراب فهناك عشرات الأدلة والوقائع والبراهين، وهناك العديد من التصريحات في الولايات المتحدة نفسها التي تؤكد ذلك, ما يُثبت أن واشنطن في ورطة حقيقية، الأمر الذي ينعكس في تباينات الخطاب الأمريكي الذي يلوك المفردات ذاتها. وادعاء الإدارة الأمريكية أنها لا تتنافس مع روسيا في محاربة داعش كما أعلن وزير الدفاع الأمريكي جورج ماتيس، يؤكد المؤكد من أن الولايات المتحدة هي من يقف وراء داعش وأخواته وما يتفرع عنه، أما تأكيد ماتيس بأن بلاده تتعاون مع روسيا فهو يؤكد بأن الأدوات الأميركية تكسّرت في سورية، وأن إدارته تسعى للإمساك ببعض الأوراق الأخرى لعلّها تُعوض عنها تلك التي احترقت وصارت رماداً.
ربما صار واضحاً أن واشنطن، ومعها الغرب وإسرائيل والخليج وتركيا، تخشى حتمية أن يُسقَطَ بيدها فتجد نفسها مُلزمة بالتعاون مع روسيا بمحاربة المرتزقة الذين استجلبتهم إلى سورية، في حال استمرت سياسة القضم الروسية التي تُقلص مناورتها وتُحرجها خطوة فخطوة من دون أن تقوى على مقاومتها، إلا بالذهاب إلى الانقلاب العلني ومحاولات التنصل والتعطيل التي ستفضحها أكثر وقد يكون ذلك وراء تكرار البعض في التحالف أنهم يحاربون داعش دون أن يجرؤوا على مغادرة هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة التي تعمل ما بوسعها لإطالة عمر داعش. ولا شك فإن فشل الأدوات التي أعدتها الولايات المتحدة الأمريكية لاستهداف سورية أمام صمود شعبها وبسالة جيشها لا يعني أنها ستستسلم بل لا أحد يشك بأن في جعبتها أوراق جديدة ستستخدمها لتحقيق أحلامها وأوهامها, بيد أنها ما لم تنتبه له هو أن أوراقها الجديدة هي أيضاً محروقة وساقطة وأن شعبنا بمختلف شرائحه وفئاته مدرك لمخططاتها ومشاريعها التي هي مشاريع ومخططات صهيونية لن يسمح لها بتمريرها ولا مفر لها من الاعتراف بحقيقة فشلها.
إن فصول فشل المؤامرة الأميركية على سورية تُكتب في هذه الأثناء، بدير الزور وإدلب وريف حماة وحتى في درعا والقنيطرة، ومعها يجري بالتدريج الإعلان عن سقوط المشروع الذي حُشد له على نحو غير مسبوق، وبالتدريج أيضاً يتم الإعلان عن احتواء الأدوات الإقليمية وإخراجها من اللعبة، وعن ذوبان الأذرع الإرهابية التي استقدمت لضرب الدولة السورية في سياق المؤامرة الكونية التي نسجت ضدها. كل ذلك يؤكد أن صمودَ سورية بمواجهة جيوش واستخبارات ومُرتزقة أكثر من مئة دولة، ونجاحها وحلفائها بهزيمة قوى الإرهاب والتكفير التي ترعاها الولايات المتحدة، وعلى التوازي نجاحها وحلفائها في المعارك السياسية التي جرت في نيويورك وجنيف وأستنة سيعجّل بولادة نظام عالمي جديد، يضع حداً لحماقات أميركا ليس في المنطقة فقط وإنما في العالم أجمع.
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
د.محمد قاجو