في ضوء المعركة التي نشبت بين إمارة قطر وجارتها الكبرى السعودية وتوابعها في المنطقة , بات بوسع الأمير القطري المتواري في زاوية معتمة حمد بن جاسم عن الوعد الذي عشّمه به الأمريكي والانكليزي وهم يرسمون له خطة انغماس قطر في مؤامرة الربيع العربي, وهو الوعد الذي كشف عنه حمد بن جاسم في مكالمة هاتفية موثقة بينه وبين ضحية مؤامراته العقيد معمر القذافي, حين قال حمد بن جاسم بأن قطر وُعِدَتْ بضم المنطقة الشرقية من المملكة إليها.
يبدو الآن من الحملة الشعواء التي قادتها السعودية على قطر بعد أن دفعت خوّة الحماية التي طلبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المملكة هي الموعودة بأن تضم قطر إليها , أو أن مثل هذا الوعد أعطي لأحد أتباعها الخليجيين. فالإصرار السعودي على نهش قطر يدلل على أن المسألة لا تعود فقط إلى مضمون التصريحات التي نشرت على لسان حاكم إمارة قطر تميم بن حمد, وهي تصريحات تنسجم في الواقع مع المنطق القطري في التعامل السياسي . فقطر ليست بحاجة إلى أن تدفع ثمن الحماية في مواجهة عدو افتراضي هو إيران, بينما هي تستطيع الحفاظ على علاقات حسن الجوار معه بالكلمة الطيبة . ثم إن الترتيب القطري بوضع القاعدة الأمريكية في العيديد القطرية هو ترتيب يخدم الاستراتيجية العسكرية الأمريكية فيما تسمى بالمنطقة الوسطى بالنسبة للجيش الأمريكي, حيث تدار القوات الأمريكية على امتداد تلك المنطقة من تلك القاعدة. وبالتالي فإن القطري الذي دفع وما زال يدفع الكثير للعصابات الارهابية تنفيذاً للمخطط الأمريكي العدواني في المنطقة يعتبر أن ما دفعه ويدفعه يكفي للتدليل على ولائه لواشنطن ولندن .
ولكن المشكلة بدأت حين أخذت السعودية وشركاؤها موقفاً صنفت فيه أطرافاً تدعمها أو تمولها قطر أو تقيم علاقات معها على أنها إرهابية. وهنا وجد الحاكم القطري نفسه في موقف حرج , فإما أن يساير النظام السعودي وجوقته ويتخلى عن الأطراف التي يموّلها ويديرها أو أن يعترض . وكان منطقياً بالنسبة له أن يعترض. ولو لم يفعل ذلك لوجب عليه أن يطرد زبائن من صنفوا إرهابيين ممّن يتواجدون في الدوحة فوراً ودون أدنى انتظار , ولكان عليه أيضاً وقد قبل بأن يشارك في إعلان العداء لإيران أن يضع نفسه في حالة استنفار. والقطري يعلم علم اليقين أنه مهما استنفر قواه فإن استعداءه للجار الإيراني سينقلب وبالاً عليه. ولا شك أن حكام السعودية يدركون هذه التفاصيل بصدد السلوك القطري ويعرفون دور قطر المرسوم في مخطط الأمريكي الشيطاني في المنطقة , ولكن يعرفون أيضاً دوافع قطر وحساباتها من وراء اندماجها في أداء هذا الدور. هذا التمايز القطري هو الذي فجر غضب آل سعود على حكام قطر , فكأنهم يقولون بأنه لا يجوز لأحد من حكام الخليج أن يخرج عن طوعهم , أو أن يبدي رأياً لا يكون منسوخاً طبق الأصل عن رأيهم أو أن يتبع سياسة لا تكون خاضعة كل الخضوع لسياساتهم.
حين ننظر إلى المشكلة نظرة كلية سنجد أن الحاكم السعودي أيضاً لا يمتلك إرادته, وأن قراره ليس من رأسه وإنما هو يؤدي دور المرياع في خدمة السيد أو الراعي الأمريكي . فالملك السعودي إذن واقع في الفخ ذاته. إنه ملك ولكنه لا يملك , وهو مجرّد مرياع يمشي أمام القطيع , وعصا الراعي الأمريكي هي التي تتحكم به وبمن خلفه من النعاج. وهنا يكتشف الناس أن القطري حمد بن جاسم آل ثاني يوم وصف نفسه ومن على شاكلته من الأعراب بالنعاج لم يبتعد عن الإقرار بالحقيقة, فهاهو المرياع السعودي يصر على أن يعامل قطر على أنها نعجة من النعاج التي تمشي وراءه في القطيع ولا يجوز لها أن تشذَّ في سلوكها عن سلوك بقية النعاج.
الغريب في الأمر أنّ النظام السعودي وشركاءه أو أتباعه الخليجيين لا يخجلون البتّة وهم يطرحون مسألة خلافهم مع حكام قطر على أساس العلاقة بين الراعي والمرياع والقطيع. فالمرياع السعودي سعيد بكونه مجرّد مرياع , والنعاج التي تسير وراءه سعيدة بكونها مجرّد نعاج , وباتوا يرون في سيرهم ضمن القطيع أمراً عادياً ومبرراً لا غبار عليه, وكل ما يشغلهم هو تأنيب من انحرف عن القطيع وتجريمه أو حتى تكفيره بعد أن صارت الوهابية عند أهلها هي الدين.
إن مشهد القطيع والمرياع أو النعاج والكبش يتحدث عن نفسه , ويكشف عمّا هو عليه حال هؤلاء الذين صادر الانكليزي جزيرة العرب من خلال تسميتهم حكاماً وتمكينهم من أداء الخدمات المطلوبة منهم من مقام العبودية للإنكليز ومن ثم للأمريكي الذي بات يتحكم بهم.
والسؤال لماذا ارتعدت أوصال حكام قطر , طالما يقومون بأداء الدور المطلوب منهم أمريكياً, ويقومون بتنفيذ أوامر السيد الأمريكي, ويعتمدون على حمايته من خلال قاعدة العيديد الأمريكية في قطر. فالسعودي في حد ذاته لم يكن ليخيف القطري طالما أن مظلة الحماية الأمريكية تظلله, وطالما أن السعودي عبد خاضع يأتمر بأمر السيد الأمريكي.
الجواب قد يكون أبسط ممّا يتصوره الكثيرون . الأمر كان واضحاً بالنسبة لحكام إمارة قطر , إن الاستهداف آت من السيد الأمريكي نفسه , وقد جرى توظيف آل سعود فيه. المطلوب من الحاكم القطري أن يدفع ثمن الحماية له مثلما دفع الحاكم السعودي هذا الثمن . فالجزية التي دفعها آل سعود لا تكفي بالنسبة لأمريكا, وقد فهم حكام قطر ما يرمي إليه الأمريكي فسارعوا إلى عقد صفقة لشراء 36 طائرة من طراز اف 15 بقيمة (12) مليار وهي الدفعة الأولى من صفقة تشمل شراء 72 طائرة من هذا النوع بقيمة 21.1 مليار دولار, قالت شركة بوينغ المنتجة لهذه الطائرات ستخلق 60 ألف فرصة عمل في الولايات المتحدة الأمريكية وستحافظ على استمرار خط إنتاج هذا النوع من الطائرات الذي كان مهدداً بالتوقف.
إذاً كلمة السر عند التاجر الأمريكي لحكام قطر ادفعوا المعلوم كما دفع الحاكم السعودي وإلا ابتلاع قطر من قبل الجار الأكبر السعودي والذي وجد الفرصة ملائمة لإعادة قطر إلى حظيرته. وبمجرد عقد صفقة الطائرات باتت قطر على باب الخروج من المصيدة حيث تلاشت التهديدات الأمريكية وبدأ الحديث عن قطر كحليف استراتيجي , كما بدأ الحديث عن انفراج العلاقة بين مشيخات الخليج ومشيخة قطر .
لقد حقق ترامب بزيارة العاصمة الوهابية ما وعد به شعبه بالحصول على مئات المليارات وآلاف الوظائف للأمريكيين. ويبدو أن التاجر ترامب لن يكتف بالمليارات السعودية والقطرية وإنما الدور قادم على المشيخات الخليجية الأخرى ليدفعوا المعلوم بالرضى أو القوة لقاء الحماية الأمريكية. ولكن حتى لو أفلتت مشيخات الخليج في الوقت الراهن من المحاسبة لدعمها الإرهاب بعد أن دفعت المليارات التي طلبها الأمريكي , سيقفون قريباً في قفص الاتهام , عندما تبدأ محاكمة الدول الداعمة للإرهاب وسيواجهون أحكاماً بالدفع آلاف المليارات كتعويضات لضحايا إرهابهم, وعندها لن يكون بوسع الأمريكي حمايتهم ولن يكون مصيرهم أفضل من الأنظمة التي كانت تستند إلى الحائط الأمريكي المائل .
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
د. محمد قاجو