أكثر ما يؤرق داعمي الإرهاب في المنطقة والعالم؛ أن يبلغ الجيش العربي السوري وحلفاؤه من جهة، والحشد الشعبي العراقي من جهة أخرى، نقاطاً متقابلة على الحدود السورية العراقية.
معركة كبرى بثقلها الجغرافي الميداني، وأهدافها الاستراتيجية والتكتيكية، لنتائجها أثر زلزالي تتجاوز ارتداداته المنطقة لتصل إلى العلاقات الدولية، علاقات بدأت ملامح تشكيل جديدها تظهر خلال الفترة التي تزامنت من انطلاق العمليات في البادية السورية، بالتزامن مع عمليات الحشد الشعبي في الجانب العراقي، وجولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المنطقة.
تحت عباءة الإرهاب، ومن عاصمة التطرف الوهابي نسج ترامب خيوطاً لصراعات جديدة وأخرى قديمة متجددة, وتحت عباءة محاربة الإرهاب يدعم تحالفه المزعوم ما تبقى من تنظيمات إرهابية، مئات المدنيين الناجين من إرهابيي داعش والنصرة لم ينجوا من طائرات تحالف واشنطن، عشرات المجازر في سورية والعراق ومعظم الضحايا أطفال ونساء في قصف طائرات "التحالف الأمريكي"، أكثر من 43 شهيداً وعشرات الجرحى في قصف طال مبنى الجميلي في مدينة الرقة الأسبوع الماضي وفق مصادر أهلية وإعلامية متطابقة، سبقها مجزرة ارتكبها طيران التحالف الشهر الماضي راح ضحيتها أكثر من 108 شهداء في ريفي دير الزور والرقة، وقبلها عشرات المجازر في منبج والغندورة وطوخان الكبرى ودابق بريف حلب الشمالي والبوكمال وجبل الثردة بدير الزور والهيشة والطبقة والمشيرفة والمنصورة بريف الرقة وفي مناطق أخرى، ماثلتها مجازر عدة في العراق تحت ذريعة "الخطأ"، وهذا هو الحال منذ إعلان التحالف المزعوم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في آب عام 2014 بشكل غير شرعي من خارج مجلس الأمن ودون التنسيق مع الحكومة السورية، ناهيك عن الأضرار الكبيرة بالممتلكات العامة والخاصة والبنى التحتية والمرافق الخدمية بما فيها المدارس والمستشفيات والجسور والسدود وحقول النفط والغاز ومحطات الكهرباء... هذا الانجاز الوحيد لتحالف واشنطن بزعم محاربة الإرهاب، فماذا نتج عن تحالفها الذي أعلنه ترامب في الرياض بزعم تجفيف موارد الإرهاب؟.
صراع قبلي بين بني سعود وآل ثاني بحثاً عن دور إقليمي يحاول الطرفان لعبه، الخلافات ليست جديدة، تتصاعد أحياناً لتصل إلى العلن في شبه حرب وتخبوا حيناً لتتخذ من "الجمر تحت الرماد" عنواناً لهدوء ظاهري، كلاهما يعتمد الأساليب ذاتها، تودد للغرب وضخ للأموال في خزائن الصهيونية وتمويل لتنظيمات إرهابية، بعد زيارة ترامب للرياض اتخذ الخلاف الخليجي منحاً تصاعدياً على خلفية تصريح منسوب لأمير مشيخة قطر تميم بن حمد آل ثاني، أزمة كان لها أن تنتهي بعد النفي الرسمي القطري للتصريح، لكنها استمرت بالاشتعال وكأنها فرصة أرادتها الرياض لتوجيه ضربة قاضية للدوحة، انقسم داعمو الإرهاب في المنطقة رغم أنهم من جذر واحد، الأمر الذي اعتبره متابعون أنه ضوء أخضر من ترامب للنظام السعودي ثمنه مليارات الدولارات ليتصرف كما يشاء طالما كل ما يتصرفه يصب في مصلحة كيان الاحتلال الإسرائيلي، كيان يحلم منذ إنشائه بوأد القضية الفلسطينية وإقامة دولة يهودية عنصرية على أرض فلسطين، حلم كان يصطدم في كل مرة بمقاومة تبقيه في إطار الأوهام، مقاومة هي اليوم في مواجهات عدة مفتوحة على أكثر من جبهة تتعرض لطعنات غدر من بعض الأنظمة المرتهنة للغرب الاستعماري، هذه الأنظمة التي أقامت الولائم وقدمت فروض الطاعة ورقصت "العرضة" بالسيوف على شرف واليها الجديد ترامب، هي اليوم تنحر بعضها بذات السيوف في مشهد جعل وزير الحرب الإسرائيلي أفيعدور ليبرمان يعيد إحياء مصطلح المعتدلين العرب، ووفق تصنيفه فإن المعتدل هو من يطعن القضية الفلسطينية ويضع يده بيد المحتل ليبرمان عبر عن اعتقاده خلال مقابلة مع القناة الثانية الإسرائيلية بأن كيانه المحتل هو الآن أقرب أكثر من أي وقت مضى لما سماها تسوية إقليمية مع العالم العربي، اعتقاد وزير الحرب الإسرائيلي بناه على ما تنفذه التنظيمات الإرهابية في المنطقة وفقاً لمصالح وأوامر كيانه الإرهابي، وزير الحرب ذاك لم يخف تفاؤله بأن الظروف الإقليمية الراهنة من شأنها أن تنهي الصراع, هذا الصراع الذي يراد له أن ينتهي بالقضاء على آخر نفس مقاوم يطالب بحقه، إلا أن هذا المخطط مكشوف منذ يومه الأول وتقاومه سورية ومن معها في محور المقاومة على كل الجبهات وتحقق على أدواته الإرهابية الانتصار تلو الآخر.
بالعودة إلى المعركة الكبرى في البادية السورية، وما يقابلها في العراق الشقيق، التي تقض مضاجع ترامب وأدواته، لم يكن الإنجاز الكبير والمتواصل في محاربة الإرهاب ضمن منطقة استراتيجية كهذه؛ سوى مقص لخيوط ما نسجه ترامب وأتباعه، بدليل الاستنفار الأمريكي الذي ظهر بوجهين، عدوان على نقاط الجيش العربي السوري المتقدمة، والإعلان عن تعزيز ما سماها "قوته القتالية" في جنوب سورية، واطلاقه التحذيرات تجاه الجيش السوري وحلفائه، والتورط في تنفيذ اعتداءات على الأراضي الإيرانية عبر عمليتين إرهابيتين.. تحذيرات واعتداءات ليست بجديدة لم تؤثر يوماً على المضي قدماً في مكافحة الإرهاب، ولم تصب المقاومة بأي وهن، بل زادت نبض المقاومة قوة وإصراراً على النصر الحتمي في معركة الوجود التي أرادوها أن تكون مفتوحة على كل الاحتمالات.
الصراع القبلي بين مشيخة قطر ومملكة بني سعود... يوم زار ترامب الرياض.. غزل خيوطاً جديدة لعباءة الإرهاب وأشعل الإرهاب تحت عباءة محاربة الإرهاب
بقلم شادية اسبر