لم تكن العلاقات السعودية الخليجية مع إسرائيل وليدة الصدفة بل هي علاقات أزلية امتدت عبر خمسين عاماً، تارة في الخفاء وأخرى في العلن وتارة عبر القنوات الدبلوماسية أو الرسائل المتبادلة أو الغرف المغلقة بين الجانبين، وما حققه أكثر من مسؤول سعودي بزيارة تل أبيب لإدامة هذه العلاقة مع إسرائيل، فقد نجح هؤلاء المرتبطون بالموساد الصهيوني، بتحقيق نتائج إيجابية أسهمت في توفير الأجواء المناسبة بين تل أبيب والرياض لقد نشرت صحيفة (بديعوت أحرنوت)، نص الوثيقة الإسرائيلية عام 2015، المرقمة (1-1-ج) التي أكدت على علاقات إسرائيل القوية والمتينة مع النظام السعودي، خاصة الدور الكبير الذي لعبه الأمير بندر بن سلطان في إرساء هذه العلاقة الحميمة التي لعبت دوراً مميزاً في تهيئة العلاقات الإسرائيلية السعودية.
فلا غرابة: إذن عندما يبعث خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز برسالة مودة وصداقة إلى الإرهابي (نتنياهو) حملها الرئيس الامريكي (ترامب) في ختام زيارته للسعودية، وبهذه الرسالة التي عرف مضمونها القاصي والداني، تظهر للعيان اليوم عمق هذه العلاقة مع إسرائيل للتآمر على الدول العربية لإطالة شن الحرب على هذه الدول كما يحدث الآن في العراق وسورية وليبيا واليمن، كانت إسرائيل متهمة بالدرجة الأولى بتغذية هذه الحروب عرقياً وطائفياً، لإذكاء روح الفتنة بين شعوب المنطقة المحبة للحرية والسلام.
إن المتتبع للأحداث قبل وبعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب، للسعودية يجد الكم الهائل من التنازلات التي قدمها بعض الزعماء العرب لإسرائيل لكي تعيش بسلام آمن معهم، مع الدعوة إلى تحالف سمي هذه المرة (التحالف لمحاربة الإرهاب) والذي ستكون إسرائيل جزء منه، للوقوف ضد محور المقاومة العربية، التي ما زالت تقاوم الاحتلالات الأمريكية الصهيونية في طالع النهار.
وللحقيقة نقول إنه على مدى الأعوام القليلة الماضية، حدثت تطورات غريبة في العلاقات بين السعودية وإسرائيل فقد كتب (سلمان الأنصاري) مؤسس ورئيس لجنة شؤون العلاقات العامة الأمريكية السعودية، مقالاً دعا فيه إلى تشكيل تحالف تعاوني بشكل صريح بين بلاده وإسرائيل على أساس المصالح الثنائية التي تجمع (الرياض وتل أبيب)، وأضاف أن التعاون الوثيق مع إسرائيل ليس فقط في مصلحة البلدين ولكن في مصلحة مشروع الشرق الأوسط الكبير، وفق ما ذكرته صحيفة (الجميمينيز) الأمريكية، وأضافت في تقرير لها، أن مثل هذه المادة التي نشرت مؤخراً لم يكن من الممكن تصورها حتى وقت قريب جداً، تعتبر غير مسبوقة تماماً، فالسعودية هي معقل الفكر الوهابي، وهي نسخة متطرفة من الإسلام المتعصب الذي أدى إلى نشأة (أسامة بن لادن) ومنظمته الإرهابية وتنظيم القاعدة.
وعلى الرغم من التعاون وراء الكواليس بين إسرائيل والسعودية والذي كان سراً لسنوات إلا أن علاقة الدافع أساساً تأتي انطلاقاً من التهديد المشترك (من إيران) كما يدعون، وهذه العلاقة الضمنية التي لم توجد في أي وقت مضى دفعت مسؤول سعودي علناً للدعوة إلى تحالف كان حتى وقت قريب يرفض من قبل الأوساط الدبلوماسية السعودية، وأكدت الصحف الأمريكية إن مقال الأنصاري قد تعرض لهجوم من قبل التقليدين المتشددين في وطنه، لكنه من المتوقع وبدون شك إن هذا المقال على الأرجح هو جزء من استراتيجية أوسع نطاقاً بدأتها السعودية مؤخراً وهي استراتيجية محسوبة على السعودية، وهذا المقال في الواقع مجرد واحدة من العديد من المؤشرات البارزة الأخيرة حول هذا التطور الذي بدأ يتكشف ففي نهاية 2016 زار وفد سعودي برئاسة جنرال سعودي متقاعد إسرائيل وعلى الرغم من أن المهمة تعرضت لانتقادات شديدة في الصحافة العربية، إلا أن أي عضو في الوفد لم يواجه تداعيات عندما عادوا إلى وطنهم.
ومما تجدر الإشارة أن الصحف السعودية قد نشرت خبراً يعكس حبها لرئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو) عندما ألقت باللوم على (محمود عباس) لرفضه عرض (نتنياهو) لإلقائه خطاباً في الكنيست، وأشارت الصحف السعودية حينها إلى ما حدث بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (مناحيم بيكن) والرئيس المصري (أنور السادات) حيث انتهت اللقاءات بينهما باتفاق (كامب ديفيد) بين العدوين السابقين.
وتأتي زيارة الرئيس الأمريكي (ترامب) الأخيرة للسعودية ليقدم من خلالها حكام السعودية تنازلات مكتوبة موثقة وجديدة للاعتراف بالدولة اليهودية العنصرية، عندما أعلن عن محتواها وفحواها (ترامب) من قلب فلسطين المحتلة، تلك هي رسالة آل سعود الموجهة للإرهابي والصديق الحميم (نتنياهو) وهي تكشف عن جذر المسألة الحقيقي للعلاقات الإسرائيلية السعودية، وهي إهانة كبرى لأمة العرب، وتبرئة تاريخية لإسرائيل من جرائمها على شعب فلسطين العربي عبر (67) عاماً من الاغتصاب للأرض والإنسان، وتشريد الملايين من اللاجئين الفلسطينيين.
إنها رسالة آل سعود إلى أجدادهم اليهود، حملها (ترامب) إلى الإرهابي رقم (1) نتنياهو.. هدية من الملك السعودي خادم الحرمين الذي تنكر لقيم السماء على الأرض، وحقوق العرب في فلسطين ومستقبل أطفال فلسطين في وطنهم الذي باعه حكام آل سعود مرة أخرى بشهادة ترامب وحكام الخليج، لكي تبقى إسرائيل الدولة اليهودية المرتقبة في أرض العرب.
وإنها من سخريات القدر أن يكون آل سعود مسؤولين عن الدم العربي الطاهر الذي روى أرض فلسطين بالدماء الزكية.
د. رحيم هادي الشمخي