لقد أصبحت البطالة ظاهرة واسعة الانتشار في مجتمعاتنا العربية بدرجة تفوق غيرها من بلدان العالم حيث بلغت نسبتها في مصر ولبنان وفلسطين وتونس والجزائر والمغرب بين 15 إلى 20 بالمئة فهي مشكلة تؤرق الجميع لانعكاساتها السلبية على كل نواحي الحياة في المجتمع، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقد آن الأوان للاهتمام بهذه المشكلة ومعالجتها قبل استفحال خطرها.
فالركود الاقتصادي وانخفاض الأجور ساعد على انتشار البطالة بصورة أصبحت تنذر بعواقب وخيمة لكثير من الدول العربية، كما تعود هذه المشكلة في جزء منها إلى معدلات النمو السكاني المرتفعة في العالم العربي فقد ارتفع عدد سكان الدول العربية خلال العشرين سنة الماضية من 87,8مليون نسمة في عام 1978إلى 157,6مليون نسمة في عام 1998 وزادت نسبة الشريحة السكانية من صغار السن (أقل من 15سنة) فأصبحت تبلغ حوالي 41%وهذه ستدخل سوق العمل سريعاً وتفاقم من حجم المشكلة والنمو الاقتصادي المتحقق في هذه البلدان لا يمكن أن يولد فرص عمل تكفي هذه الأعداد المتوافدة لسوق العمل مما يهدد الاستقرار في هذه المجتمعات.
ولاشك أن البطالة تهدد الاستقرار السياسي في البلاد فوجود أعداد كبيرة من الناس بلا عمل يعني وجود مواجع كثيرة وإحباط ويأس وهذا الإحباط سيولد انفجارات متعددة ويهدد الاستقرار في أي مجتمع كان، كذلك الأمر من الناحية الاجتماعية فانتشار البطالة سواء المقنعة أو الصريحة سيولد الكثير من المشاكل الاجتماعية في مجتمعاتنا وهذا سيؤدي إلى ارتفاع سن الزواج وازدياد العنوسة عند الجنسين وانعكاس ذلك على نفسية شبابنا وشاباتنا كما أن وجود أبناء كثر في أسرة واحدة أتموا الثلاثين من العمر ولم يجدوا فرص عمل يراكم المشاكل الاجتماعية الناجمة عن البطالة والمشكلة الحقيقية وحسب تقرير منظمة العمل العربية أن هناك نحو 12،5 ملايين عاطل عن العمل معظمهم من الشباب وهذا له تأثير كبير على المجتمع وخاصة حملة الشهادات الجامعية فقد أكدت الاحصاءات الرسمية في سورية أن البطالة قدرت بنسبة 5% في عام 1998 وتعد معدلات النمو السكاني في سورية من بين الأعلى في المنطقة العربية 4% سنوياً مما يعني مزيداً من القوة العاملة الوافدة إلى سو ق العمل كل عام لتتنافس على معروض يقصر كثيراً عن الطلب لذلك من الضروري تسليط الضوء بكثافة على مشكلة البطالة في منطقتنا العربية الآن وأكثر من أي وقت مضى.
وموضوع البطالة في سورية عاد اليوم من جديد للصدارة وقد تبنته الحكومة واعتبرته أحد المشاريع المطروحة في سياق التطوير والتغيير والتحديث والمهم في التصدي لهذه المشكلة أن تتناسب الزيادة السكانية مع النمو الاقتصادي المتحقق من أجل توفير فرص العمل المطلوبة بتجنب البطالة يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام فالثروة البشرية معين لا ينضب يؤتي ثماره لمن يعرف كيف يوظفها ويسخر كل الطاقات من أجل حمايتها وتطويرها، كما يجب أن تتناسب مناهجنا التعليمية مع متطلبات سوق العمل فلا يعقل أن تستمر الكليات النظرية بمنح شهادات تخرج لآلاف الشباب سنوياً وعدم القدرة على تأمين فرص عمل لهم وهذا يعني انضمامهم إلى معسكر البطالة الرهيب كما يجب التركيز على برامج التأهيل والتدريب المتطورة لرفع كفاءة الأيدي العاملة العربية وتحسين الإنتاجية كماً وكيفاً لكي تسطيع الصناعات العربية أن تصمد في مواجهة أعاصير المنافسة العاتية والتي تهب من كل حدب وصوب.
المصدر: جريدة كفاح العمال الاشتراكي
هالة محمود