مشكلات العالم كانت مدار البحث خلال قمة الرئيسين: الروسي فلاديمير بوتين، والامريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي في مدينة هامبورغ الالمانية على هامش قمة العشرين التي انعقدت هناك..
طبعا ما اصطلح على تسميته الأزمة السورية ،كانت من بين القضايا الهامة التي جرت مناقشتها، هذه الأزمة التي كان للولايات المتحدة عبر أدواتها الإقليمية الدور الكبير في إشعالها وتأجيج نيرانها، لقد تحولت بفعل واشنطن وبعض العواصم الغربية، الى حرب كونية ضروس تشن بأدوات إرهابية، تمت فبركتها في غرف المخابرات الأميركية والصهيونية والتركية وبعض دول الخليج.. وفي مقدمها النظام السعودي ونظام آل ثاني في قطر.
المراقب لتطور تصريحات ترامب، يلمس تناقضا صارخاً، بين ترامب المرشح وبين ترامب الرئيس، فبينما كان يعيب على سلفه باراك أوباما التدخل لمصلحة الإرهابيين في سورية، وتقديم الدعم لتنظيم داعش، بل تصنيع هذا الوحش الإرهابي، تحول بعد فوزه بالرئاسة ، الى داعم للإرهاب الذي يقاتله الجيش العربي السوري، وحلفاؤه، بكل بسالة واقتدار، ووصل الى حد شن العدوان المباشر، وشن غارة عدوانية على مطار الشعيرات الذي تنطلق منه المقاتلات السورية لضرب داعش ومثيلاتها.. وشن غارة على جبل الثردة لتمكين داعش من احتلال مواقع عسكرية.. وأسقط الطيران الامريكي مقاتلة سورية، لقد تجاوز في عدوانيته للدولة السورية سلفه أوباما الذي كان ينتقده..
هل هي طبيعة ترامب المتقلبة حسب مزاج سوق المقاولات الذي جاء منه؟؟ أم أنها السياسة الأميركية التي لها مؤسساتها، ومراكز ضغطها واللوبيات ذات النفوذ، كاللوبي الصهيوني المتحالف مع المال الخليجي.
...مهما كان الأمر فإن واشنطن على رأس المعسكر، المعادي للدولة السورية، وللشعب السوري. ومسؤولة عن سفك الدم السوري تماماً كأدواتها المحليين والإقليميين..
الإعلام الأمريكي تحدث عن الأزمة السورية، وكأنها المشكلة الأقرب إلى توافق الرئيسين الروسي والامريكي.. وصور أنها الأكثر سهولة من بين القضايا موضع الخلافات بين البلدين.. من أوكرانيا إلى محاربة الإرهاب الى تمدد حلف الناتو الى الأزمة الكورية وغير ذلك كثيراً.. إضافة الى العلاقات الثنائية، وترامب نفسه استبق لقاء القمة بتصريح قال فيه ان سياسة روسيا تزعزع الاستقرار..
كلنا يعلم أن في واشنطن تيارا قويا في مجلسي النواب والشيوخ يقف ضد كل تقارب أمريكي مع روسيا ، ولا تزال قضية التجسس الاليكتروني ودعم ترامب حية في الإعلام الأمريكي الذي له مواقف واضحة ضد ترامب وسياساته.
هل يمكن لقمة تعقد في ظل كل هذه التشابكات في المصالح والسياسات أن تنجح في حلحلة القضايا موضع الخلاف.. وهل يمكن للأزمة السورية أن تشكل نقطة تلاق في هذه اللحظة التاريخية؟ وهل وصف الإعلام الأمريكي للازمة في سورية بأنها الأسهل يستند الى معلومات ما؟ كلها اسئلة تنتظر أجوبة..
طبعا الرئيس بوتين حليف له مصداقية كبيرة ، وهو الرئيس الذي يقاتل الإرهاب بجدية اعترف له العالم بها.. وسياسة روسيا الاتحادية تنسجم والقانون الدولي، على عكس الولايات المتحدة التي تخالف كل القوانين والأعراف الدولية.. الرئيس بوتن أثبت انه حليف موثوق لسورية وقدمت وتقدم بلاده تضحيات كبيرة في محاربة الارهاب..
لا بد أن الأدوار الإقليمية في الحرب على سورية ..ودور الدول الحليفة لواشنطن في دعم الارهاب بالسلاح والمال والاعلام وفي المحافل السياسية الاقليمية والدولية ..أقول لا بد أن أدوار هذه الدول كانت مدار بحث عند الحديث عن ضرورة توحيد الجهود في محاربة الإرهاب.. لقد أعلن ترامب أنه يريد محاربة داعش..وكأن داعش وحدها تمارس الارهاب؛ وكأن القاعدة ووليدتها النصرة وبقية التنظيمات التابعة والمماثلة ليس منظمات إرهابية لأنها تقاتل ضد الشعب السوري وضد الدولة السورية..
ترى هل واشنطن صادقة في إعلان نيتها محاربة الإرهاب؟ طبعا ما جرى حتى اليوم لا يؤشر الى ذلك، بل يتناقض مع هذا الإعلان.. ما رأيناه من واشنطن هو العدوان على السيادة السورية.. وقصف مواقع الجيش السوري.. تماماً كما تفعل ربيبتها اسرائيل في الجنوب السوري..
نعرف أن ترامب لن يخالف التوجهات الإسرائيلية ..فإسرائيل تريد إطالة امد الحرب في سورية.. وتدعم الإرهابيين مباشرة وبكل وقاحة.. لكننا نعرف ايضاً أن روسيا الاتحادية ممثلة بالرئيس بوتين كان في القمة والى جانبه حلفاء أقوياء يقاتلون الإرهاب نيابة عن العالم كله.. وروسيا أثبتت مصداقيتها في كل مرة على عكس الولايات المتحدة..
وفي اعتقادي أن وجهة نظر محور المقاومة كانت داخل القمة،، لأنه لا يمكن تجاوزها.. ونحو سبع سنوات من الحرب كانت كافية لإثبات أن هذا المحور ليس صامداً فقط بل هو يحقق الانتصارات الميدانية ولن يخون دماء شهدائه.. بينما الخيبات تتوالى على المحور الآخر الذي اعتمدت عليه واشنطن ، بدأ يتفكك. وأخذت أطرافه تتهم بعضها البعض في دعم الإرهاب لإنقاذ عروشها.. رغم أن كلهم والغ في دعم الارهاب وسفك دمنا.. وواشنطن خير من يعلم.. إذاً.. تنعقد القمة الروسية الأميركية في ظروف إيجابية لمصلحة موسكو ولمصلحة محور المقاومة.. الإرهابيون وحماتهم في حال تراجع وانهزام.. أنها اللحظة المواتية إذا أحسنا التقاطها.. فهل وافقت واشنطن على انعقاد القمة لتحجيم خسائرها والإبقاء على دور لها.. هل وافقت واشنطن على القمة بعد ان وجدت خسارة رهانها على أدواتها الاقليمية ؟ ما هو الثمن الذي تريده ،وهل من أحد مستعد أصلاً لإعطائها ثمنا .
ومهما كانت النتائج.. نحن لا نثق بأي التزام أمريكي.. فالتجارب واضحة للعيان.. لكن ثقتنا بحلفائنا كبيرة ..وكبيرة جداً.. إلا أن شعبنا ثقته بقيادته وبجيشه البطل لا حدود لها.. لقد أظهر السيد الرئيس بشار الاسد حكمة وشجاعة فاقت تصور الأعداء والأصدقاء معاً.. كما أن بطولات قواتنا المسلحة ستكون مركز اهتمام كل المدارس العسكرية لعقود قادمة.. ننتظر الأيام القادمة بكل تفاؤل.. لأننا في عصر الانتصارات.
غازي الذيب
إعلامي ودبلوماسي سابق